قضايا مجتمعية

مشاركة صور الأطفال عبر الإنترنت والمخاطر الرّقميّة

مخاطر مشاركة صور الأطفال

يشعر الآباء والأمهات في عصرنا هذا برغبة دائمة في توثيق حياة أطفالهم. فهم يقومون بنشر كلّ مرحلة وكلّ ضحكة وكلّ تعثّر لطيف على منصّات التّواصل الاجتماعي كالإنستغرام والفيسبوك ومجموعة هائلة من منصّات التّواصل الاجتماعي الأخرى. وهذه الظّاهرة، أي “مشاركة صور الأطفال”، ناتجة عن مزيج من الفخر والرّغبة في توثيق الذّكريات وطفرة الدّوبامين التي تأتي مع الإعجاب والتّقدير عبر الإنترنت. ولكن ماذا يحدث عندما ينحرف هذا الألبوم الرّقمي إلى منطقة مجهولة، حيث تصطدم البراءة بعواقب غير مقصودة ويزيد عالم الذّكاء الاصطناعي المتطوّر باستمرار من المخاطر المحتملة؟ 

مخاطر مشاركة صور الأطفال

إنّ مخاطر مشاركة صور الأطفال على مواقع التّواصل الاجتماعي متعدّدة. يفقد الأطفال الّذين تُعرض تفاصيل حياتهم بشكل مفرط على الإنترنت، حقّهم في الخصوصيّة، حيث يتمّ فهرسة حياتهم على الإنترنت قبل أن يتمكّنوا حتّى من فهم أيّ شيء. فقد تبدو صور حوض الاستحمام غير ضارّة اليوم، لكنّها قد تطارد مراهقًا يواجه المياه الغادرة لوسائل التواصل الاجتماعي بعد سنوات من نشرها. كما بإمكان المشاركة المفرطة أيضًا جذب انتباه غير مرغوب فيه، وتعريض الأطفال للمتحرشين عبر الإنترنت ولصوص الهويّة المختبئين في ظلال العالم الرقميّ.

ماذا عن “Deepfakes”

ثمّ تبرز ظاهرة مثيرة للقلق مع تقدّم تكنولوجيا الذّكاء الاصطناعي. فيظهر الآن ما يُسمّى ب “Deepfakes“، وهو التّلاعب بمقاطع الفيديو والمقاطع الصّوتيّة المتقدّمة الّتي يتمّ انشاؤها بواسطة الذّكاء الاصطناعي، والّتي لم تعد حكرًا على أفلام هوليوود الضّخمة وأفلام الخيال العلمي، بل تحولت إلى أدوات متاحة يمكن لأيّ شخص الوصول إليها واستخدامها إذا كان يمتلك فهمًا أساسيًّا للتّكنولوجيا. تخيّل شخصًا يقوم باستغلال صورة طفل عبر الإنترنت لإنتاج فيديو مزيف بأغراض خبيثة، مما يؤثر سلبًا على سمعة هذا الطفل في المستقبل، ويضعه في إطار قصص ضارّة، أو قد يجبره حتّى على الإعتراف بقول أشياء لم يفعلها أبدًا. بدأت تتحوّل البراءة الّتي كانت سابقًا سببًا لجذب الإعجاب والتّعليقات عبر الإنترنت، إلى ذخيرة لهجومٍ رقميٍّ خبيث في عصرنا هذا.

إقرأ أيضا:لماذا يعد التنمر الإلكتروني ضارا للغاية بالصحة العقلية للمراهقين؟

هذا ليس سيناريو من رواية بائسة، إنه واقع نتّجه نحوه بسرعة. وتقع المسؤولية على عاتق الآباء والأمهات والتفكير في العواقب المحتملة لأنشطتهم عبر الإنترنت وتأثيرها المستقبلي على وجود أطفالهم على الإنترنت. قبل الضّغط على زرّ “النّشر”، يجب الأخذ في عين الإعتبار ما يلي:

  • هل سيشعر طفلي بالارتياح عند مشاركة هذه الأشياء عبر الإنترنت؟
  • هل يمكن استخدام هذه البيانات ضدّه في المستقبل؟
  • هل الإعجابات أهم من خصوصيّة وسلامة طفلي؟

يجب تسليط الضوء على أن الإنترنت يُعدّ بمثابة سجلّ دائم، وبمجرد وصول المعلومات إليه، نادرًا ما يتم محوها تمامًا.

وبعيداً عن الحذر الفردي، نحتاج إلى محادثات أوسع نطاقاً حول تطوير الذّكاء الاصطناعي الأخلاقي ووضع قواعد تنظيميّة قويّة لمكافحة إساءة استخدام التّزييف العميق وغيرها من التكنولوجيّات التي قد تكون ضارّة. نحن بحاجة إلى حماية البراءة الرّقمية لأطفالنا، ليس فقط من أعين المتطفّلين، ولكن أيضًا من التلاعب المحتمل للذكاء الاصطناعي سريع التطور.

الخاتمة

في المرّة القادمة التي تمتدّ يدك نحو هاتفك لالتقاط تلك اللحظة الجميلة لطفلك، توقّف للحظة وتأمّل. فكّر في الأثر الرّقمي الّذي تتركه خلفك أو خلف طفلك. لنسعى إلى مستقبل حيث لا يأتي فخر الوالدين على حساب المخاطر الرقمية، وحيث يُستخدم الذّكاء الاصطناعي للتمكين بدلاً من الاستغلال، وحيث يمكن لأطفالنا التّنقل في عالم الإنترنت بثقة وأمان.

إقرأ أيضا:تأثير الفلاتر على صورتنا الذّاتية

لأنه في العصر الرقمي، تتجاوز المسؤولية الأبوية حكايات موعد النوم وممارسة كرة القدم. إنها تتضمن فهم عالم الإنترنت، والمخاطر الكامنة فيه، والتّدابير الوقائيّة الّتي يجب علينا اتّخاذها لحماية أطفالنا في عالم يمكن فيه استغلال البراءة بسهولة.

السابق
تغيّر المناخ وتأثيره على الاقتصاد
التالي
حُمّى الأرض المسطّحة: لماذا لا يزال البعض يرون كوكبنا كفطيرة؟