منوعات تقنية

شريحة الدماغ: مستقبل التفاعل بين الإنسان والكمبيوتر

شريحة الدماغ

لقد عرض عالم الخيال العلمي منذ فترة طويلة مفهوم دمج العقول البشريّة مع الآلات. واليوم، أصبحت هذه الفكرة الخياليّة حقيقة واقعة مع تطوّر واجهات الدّماغ والحاسوب Brain-Computer Interfaces (BCIs)، وخاصّة في شكل شرائح قابلة للزّرع مثل شريحة الدماغ. حيث تحمل هذه الشّرائح إمكانات هائلة لإحداث ثورة في تفاعلنا مع أجهزة الكمبيوتر، والأطراف الصّناعية، وحتّى البيئات الافتراضيّة، فقط من خلال قدرتنا على التّفكير.

ما هي شريحة الدماغ وكيف تعمل؟

تُعدّ شريحة الدماغ، والمعروفة أيضًا باسم الغرسات العصبيّة، جهاز صغير يتمّ دمجه مباشرة في القشرة الحركيّة للدّماغ، وهي المنطقة المسؤولة عن تخطيط الحركة والتّحكم فيها. تحتوي هذه الشّريحة على العديد من الأقطاب الكهربائيّة الرّفيعة كالشّعيرات، الّتي تلتقط الإشارات الكهربائيّة النّاجمة عن نشاط الدّماغ. وعلى الرّغم من كون هذه الإشارات ضعيفة، إلا أنّها تحمل معلومات عن نوايانا وما نرغب في فعله.

ثمّ تنقل الشّريحة هذه الإشارات إلى جهاز فك التّشفير، والّذي يترجمها إلى أوامر رقميّة. ويمكن بعد ذلك استخدام هذه الأوامر للتّحكم في الأجهزة الخارجيّة، مثل مؤشّرات الكمبيوتر، أو الأطراف الصّناعية، أو حتّى الصّور الرّمزية الافتراضيّة (Avatars).

التطبيقات الحالية والفوائد المحتملة

لقد حقّقت هذه التّقنية بالفعل خطوات كبيرة في مختلف المجالات، ممّا يوفر الأمل لإمكانيّات تغيير حياة الأفراد:

إقرأ أيضا:أنواع التحول الرقمي
  • استعادة الحركة والاستقلال: بالنّسبة للأفراد الذين يعانون من الشلل أو فقدان الأطراف، تمثّل واجهات التّواصل بين الدّماغ والحاسوب طريقًا محتملاً لاستعادة السّيطرة والاستقلاليّة. ومن خلال تفسير أفكار المستخدم حول الحركة، يمكن للشّريحة التّحكم في الأطراف الصّناعية، ممّا يسمح للأفراد بأداء المهام اليوميّة مثل الأكل وارتداء الملابس. حيث أظهرت دراسة في العام 2020 نُشرت في مجلّة Nature Neuroscience كيف تمكّن شخص مشلول من التّحكم في ذراع آليّة ببراعة ملحوظة باستخدام واجهة الدّماغ والحاسوب.
  • تعزيز التواصل: بالنّسبة للأفراد الّذين يعانون من حالات مثل التصلب الجانبي الضموري، الّذي يضعف العضلات تدريجيًا ويؤّدي في النّهاية إلى الشّلل الكامل، يمكن أن توفّر واجهات الدّماغ والحاسوب قنوات اتّصال بديلة لهم. ومن خلال تفسير إشارات الدّماغ المتعلّقة بتكوين الكلام، يمكن لهذه الشّريحة أن تساعد الأفراد على التّواصل باستخدام الأصوات الاصطناعيّة أو العروض النّصية على الشّاشة. وعرضت الأبحاث الحديثة الّتي تمّ تقديمها في اجتماع جمعيّة علم الأعصاب لعام 2023، نظام BCI بإمكانه ترجمة أفكار المستخدم إلى جمل كاملة بدقّة تصل إلى 90٪.
  • تعزيز القدرات البشريّة: إلى جانب استعادة الإمكانيّات المفقودة، تتمتّع واجهات الدّماغ والحاسوب بالقدرة على تعزيز القدرات البشريّة. تخيّل أنّك تتحكم في ذراع آليّة بدقة وبراعة طرف طبيعي أو تتعامل بشكل مباشر مع الأشياء داخل بيئة افتراضيّة باستخدام أفكارك. يمكن لهذه التّطورات أن تُحدث ثورة في العديد من الصّناعات، بدءًا من الجراحة والتّصنيع وحتى الإبداع الفنّي والألعاب. تعمل شركة Neuralink، الّتي أسّسها إيلون ماسك، على تطوير نظام BCI يهدف إلى تحقيق “تعايش الذّكاء الاصطناعي على المستوى البشري”، ممّا يسمح للمستخدمين بالتّفاعل مع أجهزة الكمبيوتر على مستوى أسرع بكثير وأكثر سهولة.

التحديات والاعتبارات الأخلاقية

على الرّغم من الإمكانيّات المثيرة لها، فإنّ واجهات الدّماغ والحاسوب (BCIs) تمّثّل أيضًا تحديّات كبيرة واعتبارات أخلاقيّة تحتاج إلى معالجة:

إقرأ أيضا:ما هي الرقمنة؟ الفرق بينها وبين التحول الرقمي
  • السّلامة والتوافق الحيوي: كما هو الحال مع أي إجراء طبّي، تنطوي عمليّة زرع شريحة الدماغ على مخاطر كامنة، بما في ذلك الالتهابات والنّزيف والضّرر المحتمل لأنسجة المخ. بالإضافة إلى ذلك، يحتاج التّوافق الحيوي لهذه الأجهزة على المدى الطّويل إلى أبحاث مكثّفة لضمان بقائها آمنة داخل الجسم لفترات طويلة. وسلّطت دراسة نشرت عام 2021 في مجلة Science Translational Medicine الضّوء على أهميّة تطوير مواد متوافقة حيويًا لواجهات الدّماغ والحاسوب لتقليل مخاطر المضاعفات.
  • خصوصيّة البيانات وأمنها: إنّ الدّماغ هو مقرّ أفكارنا وذكرياتنا وعواطفنا. لذا، يثير الوصول إلى إشارات الدّماغ وتفسيرها مخاوف بالغة الأهميّة بشأن خصوصيّة البيانات وأمنها. وتعدّ الضّمانات القويّة ضروريّة لمنع الوصول غير المصرّح به إلى بيانات أدمغة الأفراد واحتمال إساءة استخدامها لأغراض ضارّة. فقامت المفوضيّة الأوروبيّة، إدراكًا منها للمخاوف الأخلاقيّة المحيطة بواجهات الدماغ والحاسوب، بنشر مبادئ توجيهيّة تؤكّد على أهميّة حماية البيانات واستقلاليّة المستخدم.
  • المعضلات الأخلاقيّة: إنّ القدرة على التّلاعب مباشرةً بالدّماغ تثير أسئلة أخلاقيّة معقّدة. من سيتمكّن من الوصول إلى هذه التّكنولوجيا؟ كيف سيتمّ تنظيمها؟ وكيف يمكننا التّأكد من أنّها لا تؤدّي إلى تفاقم عدم المساواة المجتمعيّة القائمة؟ تتطلّب هذه الأسئلة مناقشات وتعاونًا مستمرًّا بين العلماء وعلماء الأخلاق وصانعي السّياسات وعامّة النّاس لتطوير أطر مسؤولة وأخلاقيّة في تطبيق تكنولوجيا واجهات الدّماغ والحاسوب.

مستقبل التعاون والحذر

يعدُّ موضوع شريحة الدماغ مجالًا معقدًا وسريع التّطور. في حين أن الفوائد المحتملة لا يمكن إنكارها، فمن الضّروري التّعامل مع هذه التّكنولوجيا بحذر. إنّ التّواصل المفتوح والشّفاف بين العلماء وعلماء الأخلاق وصنّاع السّياسات والنّاس أمرًا ضروريًا لضمان تطوير واجهات الدّماغ والحاسوب واستخدامها بطريقة مسؤولة وأخلاقيّة، مع وضع صحّة الأفراد دائمًا في المقدّمة.

إقرأ أيضا:أنواع التحول الرقمي

ومن المرجّح أن يشهد مستقبل التّفاعل بين الإنسان والحاسوب دمجًا تدريجيًّا لتكنولوجيا شرائح الدّماغ. ومع تطوّر التّكنولوجيا، من المرجّح أن تمتدّ تطبيقاتها إلى ما هو أبعد من الأمثلة المذكورة أعلاه، ممّا قد يؤثّر على مجالات مثل التعليم لتعزيز الوظائف المعرفيّة مثل الذّاكرة، والانتباه خصوصًا للأفراد الّذين يعانون من صعوبات التّعلم، إضافةً إلى صنع القرار، وحتّى فهمنا للوعي البشري. ويحمل هذا المستقبل إمكانات هائلة للتّغيير الإيجابي والتّقدم، لكنّه يتطلّب أيضًا دراسة متأنّية للآثار الأخلاقيّة والمجتمعيّة. ومن خلال تعزيز الحوار المفتوح وإعطاء الأولويّة للتّنمية المسؤولة، يمكننا أن نضمن أنّ تكنولوجيا شرائح الدّماغ تعود بالنّفع على البشريّة ككل، وتمكين الأفراد ودفع عجلة التّقدم من دون المساس بقيمنا ومبادئنا الأخلاقيّة.

كلمة أخيرة حول شريحة الدماغ

في الختام، تمثّل تكنولوجيا شرائح الدماغ قفزة كبيرة إلى الأمام في التّفاعل بين الإنسان والحاسوب، ممّا يوفر عددًا كبيرًا من الفوائد المحتملة في مختلف المجالات. ومع ذلك، فمن المهمّ الاعتراف بالتّحديات والاعتبارات الأخلاقيّة المرتبطة بها ومعالجتها لضمان التّطوير والاستخدام المسؤول والأخلاقي. ومن خلال البحث المستمر والحوار المفتوح والجهود التّعاونيّة، يمكننا التّغلب على التّعقيدات الأخلاقيّة وتمهيد الطّريق لمستقبل تعمل فيه تكنولوجيا شريحة الدماغ على تمكين الأفراد وتشكيل مستقبل أكثر إشراقًا للبشريّة.

السابق
التدخين: الأضرار المخاطر الإقلاع عن التدخين العلاج
التالي
ماذا يحدث لجسمك عند الإقلاع عن التدخين؟