علوم

تغيّر المناخ وتأثيره على الاقتصاد

تغيّر المناخ وتأثيره على الاقتصاد

ما زالت الشّمس تشرق والأنهار تجري والشّوارع تعج بالحياة. إلا أنّ عاصفة تتجمّع في الأفق، ليست عاصفة من الرّياح والأمطار، بل من ارتفاع درجات الحرارة وأنماط الطقس المتغيّرة ونظام بيئي يتمّ دفعه إلى أقصى حدوده. تُسمّى هذه العاصفة بتغيّر المناخ، وقد يُسمع هدير رعدها بالفعل في الارتعاش الّذي يهزّ الاقتصادات العالميّة.

إنّ آثار الاحتباس الحراري واضحة؛ من الحقول المحترقة بفعل حرارة الشّمس في إفريقيا، إلى السّواحل الّتي دمّرتها الأعاصير في منطقة البحر الكاريبي. وقد أصبحت الظّواهر الجويّة الشّديدة، الّتي كانت تُعتبر ذات يوم حالات نادرة، هي الوضع الطّبيعي الجديد. تجرف الفيضانات الأراضي الخصبة، ويقتل الجفاف المحاصيل، وتترك العواصف وراءها دمارًا في البنى التّحتيّة وتعطيلًا في سلاسل الامدادات. هذه ليست مشاكل بعيدة؛ بل هي الواقع المعيشي لملايين البشر، وتتردّد آثارها الماليّة عبر الصّناعات والقارّات.

كلفة الاحتباس الحراري

إنّ الأثر الاقتصادي لتغيّر المناخ حقيقيّ تمامًا كارتفاع مستوى سطح البحر. ففي العام 2023 وحده، أحدث الإعصار فيونا خسائر بقيمة 3 مليارات دولار في منطقة البحر الكاريبي وكندا. وكذلك موجة الحرّ الهنديّة المبكرة في آذار/مارس 2022، مع درجات حرارة تتجاوز 47 درجة مئويّة، قد أحدثت خسائر فادحة في البلاد بقيمة 150 مليار دولار بسبب فقدان الإنتاجيّة. وتلك مجرّد قطرتان في بحر الخسائر المتزايد باستمرار:

إقرأ أيضا:لماذا احلم بنفس الشخص كل يوم
  • القطاع الزّراعي: تؤدّي أنماط الطّقس المتغيّرة إلى تعطيل مواسم الزّراعة التقليديّة وتهدّد المحاصيل مما يؤدّي إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائيّة. وتتحمّل مزارع القهوة في البرازيل ومزارع الأرُزّ في جنوب شرق آسيا وطأة هذه التّحولات.
  • البنى التحتية: يغمر ارتفاع مستوى سطح البحر المدن السّاحلية، بينما تترك الفيضانات والعواصف الطّرقات والجسور وشبكات الكهرباء في حالة خراب. ويمكن أن يؤدّي الشّلل الاقتصادي النّاجم عن تعطيل شبكات النّقل والاتّصالات إلى شلّ حركة مناطق بأكملها. 
  • القطاع السّياحي: تتحوّل الشّواطئ السّياحية إلى شواطئ مدمّرة بفعل العواصف، وتذوب الجبال المغطّاة بالثّلوج، مما يعرّض الاقتصادات الّتي تعتمد على السّياحة للخطر، مثل الدّول الجزريّة ومنتجعات التّزلج. 
  • شركات التّأمين: ترتفع مطالبات التّأمين بشكل كبير مع كل إعصار شديد وكل فيضان مدمّر. وإمكانيّة إفلاس شركات التّأمين قد تترك أصحاب المنازل والشّركات يكافحون من أجل تأمين الحماية في عالم أصبح أكثر خطورة.

هذه ليست مجرّد أرقام على جدول بيانات؛ بل سبل عيش صعبة وأحلام محطّمة وشعور متزايد بالضّعف. تزداد سُحُب العاصفة، وتطلق الرّياح الاقتصاديّة تحذيراً: إنّ التّقاعس عن اتّخاذ اجراءات بشأن تغيّر المناخ ليس خيارًا؛ إنّه الطّريق باتّجاه الانهيار المالي.

إقرأ أيضا:لماذا لا نستطيع أن نتذكر أحلامنا؟ اليكم أسباب نسيان الحلم

تكيّف الأعمال وازدهارها

ولكن في خضم الكآبة، تتّوقد جذور الأمل. تتحوّل الشّركات، الّتي كانت تُرى ذات يوم مساهمة في المشكلة، إلى أبطال غير متوقّعين في مكافحة تغيّر المناخ. فهذه الشّركات ترسم مسارًا جديدًا نحو مستقبل مستدام، إدراكًا منها للمخاطر الاقتصاديّة، من خلال:

  • الطّاقة المتجدّدة: تزداد ألواح الطّاقة الشّمسيّة على أسطح المنازل، وتنتشر توربينات الرّياح في المناطق الطّبيعيّة، وكذلك السّيارات الكهربائيّة في شوارع المدن. إنّ الانتقال من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطّاقة النّظيفة لا يؤدّي إلى تقليل انبعاثات الكربون فحسب، بل يحمي الشّركات أيضًا من تقلّبات أسعار النّفط والغاز. 
  • بناء المرونة أمام تغيّر المناخ: من خلال تشييد بنى تحتيّة مصمّمة لتحمّل الفيضانات والعواصف، تضمن الشّركات استمراريّة أعمالها وتجنُّب الاضّطرابات المكلفة. وتصبح سلاسل الامدادات المتينة والمنشآت المقاومة لتغيّرات المناخ علامة مميّزة للشّركة المستعدّة للمستقبل.
  • الممارسات الخضراء: لا تساهم كفاءة استخدام الموارد وحفظ المياه وتقليل النّفايات في حماية البيئة فحسب، بل تؤدّي أيضًا إلى انخفاض تكاليف التّشغيل وتحسين صورة العلامة التجاريّة.
  • التّحالف: تتعاون الشّركات لحثّ الحكومات على اصدار تشريعات بيئيّة أكثر صرامة والاستثمار في البنيّة التحتيّة للطّاقة النّظيفة. يمكن لصوتٍ جماعيّ من أجل التّغيير أن يغيّر مسار الأحداث.

هذه الأمثلة عبارة عن حركة متزايدة لشركات تعترف بحقيقة تغيّر المناخ وتقوم بتحويلها إلى محفّز للابتكار والنّمو. فتصبح العاصفة الّتي تواجهها ريحًا تدفع أشرعتها نحو نموذج اقتصاديّ جديد ومستدام.

إقرأ أيضا:لماذا لا نستطيع أن نتذكر أحلامنا؟ اليكم أسباب نسيان الحلم

نداء للتّحرك في قضية تغيّر المناخ

انتهى عهد التّباكي وتوجيه الاتّهامات. يتطلّب تغيّر المناخ جبهة موحّدة، وأصوات ترتفع فوق هدير العاصفة. تلعب الشّركات دورًا محوريًا، لكنّ جهودها وحدها لا تكفي. يجب علينا نحن، كأفراد ومجتمعات، المشاركة في:

  • مطالبة الحكومات باتّخاذ الإجراءات: ادعوا إلى أهداف طموحة لمناخنا.
  • الاستثمار في الابتكار: ادعموا البحث والتّطوير في مجال الطّاقة المتجدّدة والزّراعة. كلّ دولار يُستثمر في الزّراعة يمهّد الطّريق نحو مستقبل أنظف.
  • اتّخاذ خيارات واعية: من الطّعام الّذي نأكله إلى السّلع التي نشتريها، يرسل كل خيار من خيارات المستهلكين رسالة قويّة. ادعموا الشّركات الرّائدة في مجال الاستدامة وحاسبوا الآخرين على ممارساتهم البيئيّة.
  • التّعليم هو المفتاح: انشروا الوعي حول تغيّر المناخ، وتأثيراته، والحلول المتاحة لنا. زوّدوا الأفراد والمجتمعات بالمعرفة والأدوات الّتي تمكنّهم من اتّخاذ خيارات صحيحة ليصبحوا  فاعلين في التّغيير.

بناء مستقبل متين معًا:

قد تكون عاصفة تغيّر المناخ في طريقها إلينا، لكنّها لا يجب أن تغرقنا. من خلال التّكيُّف، وتشجيع الابتكار، ومطالبة العمل الجماعي، يمكننا الصّمود أمام العاصفة وبناء مستقبل أكثر مرونة للأعمال والمجتمعات على حدّ سواء. هذه ليست مجرّد ضرورة اقتصاديّة؛ إنّها مسؤوليّة أخلاقيّة. نحن، كمجتمع عالمي، يجب أن نقف معًا، يدًا بيد، ونواجه العاصفة بشجاعة وتصميم وأمل لا يتزعزع.

السابق
ما هي أساليب التّعلُّم؟
التالي
مشاركة صور الأطفال عبر الإنترنت والمخاطر الرّقميّة